أبي منصور الماتريدي
72
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
قوله تعالى : [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 75 إلى 86 ] ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ بِآياتِنا فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ ( 75 ) فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ ( 76 ) قالَ مُوسى أَ تَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ أَ سِحْرٌ هذا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ ( 77 ) قالُوا أَ جِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ ( 78 ) وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ ( 79 ) فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ ( 80 ) فَلَمَّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ ( 81 ) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ( 82 ) فَما آمَنَ لِمُوسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ ( 83 ) وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ( 84 ) فَقالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 85 ) وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ( 86 ) وقوله : ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ أي : من بعد من ذكرنا من الرسل . مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ : بعثهما إلى الملأ وغير الملأ . بِآياتِنا : يحتمل الوجوه التي ذكرنا . فَاسْتَكْبَرُوا : هذا يدل أنهم قد عرفوا أن ما جاءهم الرسول من الآيات أنها آيات ، لكنهم عاندوا وكابروا ولم يخضعوا في قبولها وكانوا قوما مجرمين . وقوله - عزّ وجل - : فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ . قال بعضهم : قوله : فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا أي : الحجج والآيات من عندنا ، قالُوا إِنَّ هذا يعنون الحجج والبراهين التي جاء بها موسى ، لَسِحْرٌ مُبِينٌ يسمون الحجج والبراهين سحرا لما أن السحر عندهم باطل ، لذلك قالوا للحجج إنها سحر ، وذلك تمويه منهم يموهون على الناس لئلا يظهر الحق عندهم فيتبعونه . وقال بعضهم : الحق هو الإسلام والدين ؛ كقوله : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [ آل عمران : 19 ] . قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ يعنون الحجج والآيات التي جاءهم بها للدين لأنه جاءهم بالدين ، وجاءهم أيضا بحجج الدين وآياته ، قالوا : الحجج : الدين ، والإسلام : سحر ، ففي التأويلين جميعا سموا الحجج سحرا . وقوله : جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا أي : بأمرنا ، وكذلك قوله : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [ آل عمران : 19 ] أي : الإسلام هو الدين [ الذي ] « 1 » أمر الله به ، لا أنه يفهم
--> ( 1 ) سقط في ب .